الاثنين، 8 يونيو 2015

رسائل

ألقى نظرة سريعة على الورقة التي أنهى كتابتها، قطعها من مفكرته، كرمشها وألقاها من النافذة الموجودة خلف مكتبه. أعاد الكرة عدة مرات، لم يعجبه ما كتب فتخلص من كل الأوراق وترك غرفة مكتبه وتوجة لغرفة النوم لينال قسطًا من الراحة. استيقظ في صباح اليوم التالي بعد ليلة مرهقة من النوم المتقطع نتيجة كثرة التفكير. أعد لنفسه كوبا من الشاي بالنعناع، قربه إلى وجهه وأخذ نفسا عميقًا ليملأ صدره برائحة النعناع، أخذ رشفة من الكوب ليتأكد أنه لا يحتاج إلى المزيد من السكر، ثم ذهب إلى مكتبه.
عندما دخل توجه الى التقويم المعلق على الجدار المجاور لباب الغرفة، قام بشطب يوم أمس وأحصى عدد الأيام المتبقية على تسليم كتابه الجديد "رسائل" إلى الناشر.وجد أنه لم يتبقى أمامه سوى ثلاثة أسابيع لا غير لينهي كتابة أربعة فصول لم ينتهي من أي منهم حتى الآن. توجه إلى مكتبه وجلس وشرع في الكتابة. بعد خمس ساعات من الكتابة أنهى الفصل الأول. لم يحظ برضاه الكامل، لكنه قال لنفسه لا بأس، سأكمل الكتابة ثم أقوم بالتعديلات اللازمة بعد الانتهاء من الثلاثة فصول المتبقية.
نهض من على المكتب وخرج إلى الشرفة ليستنشق بعض الهواء. عندما نظر إلى الأسفل وجد شابًا جالسًا بجوار احدى الشجيرات الموجودة في الحديقة الصغيرة المجاورة لبنايته، ألقى عليه نظرة سريعة ثم دخل إلى المكتب مرة أخرى ليرد على الهاتف.
رفع السماعة ليجد الناشر يسأله عن الكتاب ويذكره باليوم المحدد للتسليم. أخبره أنه على وشك الانتهاء ثم أنهى المكالمة سريعًا. وجد الساعة تقترب من العاشرة، قرر الخلود إلى النوم ليحظى ببداية مبكرة غدًا. استلقى على السرير وأغمض عينيه، أرقه التوتر نتيجة مكالمة الناشر، وأعجزه الاحباط بسبب عدم إنهاء الكتاب عن النوم. فتح عينيه ولكنه ظل مستلقيًا وأخذ يتذكر كيف قرر وهو صغير أن يصبح كاتبًا حتى يتسنى له تغيير حياة الآخرين للأفضل كما غير المؤلفون الذين كان يقرأ لهم حياته. ازداد احباطه بعد أن شعر أنه لم يغير حياة أي شخص حتى الآن، على حد علمه على الأقل. تساءل بعدها هل عرف كتابه المفضلين أنهم غيروا حياته ؟ 
سببت له كل هذه الأفكار صداعًا، فنهض وأعد فنجانًا من القهوة وقرر أن يبدأ في الفصل الثاني بما أنه لم يستطع النوم. كان قد أنهى الفصل مع أذان الفجر فأغلق المصباح وتوجه إلى غرفة نومه. امتلأت الأيام التالية بكثير من المحاولات الفاشلة التي ألقيت من النافذه مع قليل من المحاولات الناجحة التي ضمها إلى مسودة كتابه، استطاع إنهاء الكتاب قبل أسبوع من موعد التسليم.
في اليوم التالي ذهب إلى مكتب الناشر وسلمه نسخة من الكتاب وعاد إلى منزله سعيدًا. توجه إلى غرفة المكتب حيث الهاتف وجلس ينتظر مكالمة الناشر. بعد فترة شعر بالملل فخرج إلى الشرفة. أخذ يتسلى بمراقبة السيارات والمارة، ثم تحول بنظره إلى المربع الأخضر الصغير المجاور للبناية فوجد أطفالًا يلعبون ووجد شابًا بجانب احدى الشجيرات. لم يتمكن من تحديد اذا كان هو نفس الشاب الذي رآه سابقا أم لا، قطع رنين الهاتف حبل أفكاره فدخل مسرعًا.
شعر بمرارة واحباط شديد بعد أن أنهى المكالمة التي أخبرته فيها سكرتيرة الناشر أن الكتاب لم يحظ بالقبول وأنهم سيقومون بإلغاء تعاقدهم معه إن لم يكتب شيئا أفضل خلال الأسبوع المتبقي.
قذف بنسخة الكتاب التي كانت معه من النافذة وفكر في أن يلقي نفسه وراءها، ثم تراجع عن فكرة القفز لأن الارتفاع قد لا يكون كافيًا لقتله، ولكنه احتفظ بفكرة الانتحار. بعد تفكير طويل قرر أن يلقي بنفسه أمام السيارات التي تسير في الشارع المجاور، المدينة جديدة وستكون سرعة السيارة مناسبة لقتله، ويهذا يتسنى له الموت بجانب كتابه.
نزل من الشقة وتوجه للشارع ووقف على جانبه منتظرًا احدى سيارات النقل التي تعبر من هذا المكان أحيانًا. جاءت سيارة أخيرًا فتقدم نحو الشارع ليضع نفسه أمامها، وقبل أن يكمل طريقه وجد يدًا تجذبه وتعيده إلى جانب الطريق مرة أخرى.
التفت بغضب ليواجه منقذه فوجده الشاب الذي رآه جالسًا بجانب الشجيرات سابقًا. ابتسم الشاب وقال له لا تعبر الطريق وأنت شارد الذهن، كدت تدهس. قال له الكاتب أنه كان يحاول الانتحار ولم يكن شاردًا. أمسك الشاب بيد الكاتب بقوة خوفًا من أن يكرر المحاولة، وبيده الأخرى فتح حقيبته وأخرج الكثير من الأوراق. نظر إليه الكاتب في تساؤل، فقال له الشاب "منذ ثلاثة أسابيع جئت إلى نفس المكان للانتحار أنا أيضا، ولكن قبل أن أتقدم، هبطت ورقة على رأسي فقرأتها لأجد أنها رسالة وجهها أحدهم للمحبطين. حاولت أن أعرف مصدرها، عندها وقعت عيناي على كومة من الأوراق هناك وأشار إلى الحديقة المجاورة لبناية الكاتب. جمعت الأوراق وعدت بها إلى المنزل. عندما جئت في اليوم التالي وجدت مجموعة أخرى فأخذتها أيضا وتكرر ذلك في الأيام التالية. لكن اليوم عندما جئت لم أجد أوراقًا بل وجدت نسخة من مسودة كتاب وعندما قرأته وجدت الأوراق التي كنت قد جمعتها الى جانب فصول أخرى فجلست أقرأ الكتاب. لم أكد أفرغ من القراءة حتى رأيتك تلقي بنفسه أمام السيارة." قرب الشاب الأوراق للكاتب وقال له "لقد غير هذا الكتاب حياتي، وأتمنى أن يغير حياتك أنت أيضا." سرت في جسد الكاتب رجفة خفيفة وهو يقرأ العنوان المكتوب على الصفحة الأولى من الكتاب؛ "رسائل".

هناك 6 تعليقات:

  1. حلو جدا

    ردحذف
  2. ماشاء الله سلمت يداك وزادك رب العزة من فضله وكرمه وأسبغ عليك تمام نعمه برضاه عنك وعليك

    ردحذف