الأحد، 19 أكتوبر 2014

كراسي

انطفأ النور في بهو قصر أشهر تاجر أخشاب في المدينة علانية، وأكبر سارقيها سرا معلنا نهاية اليوم بالنسبة لقاطنيه. بعد أن أغلق الجميع أبواب غرفهم، بدأت بعض الحركة في بهو القصر المظلم. في حدث معتاد، التف الأثاث الحديث حول أقدم كرسي موجود في المكان ليستمعوا الى قصصه عن مالكهم. كان الكرسي القديم جميلا متينا فيما مضى، مزين بالنقوش الفرعونية والفسيفساء، أما الآن فقد تشوه من كثرة المسامير والحبال المستخدمة لتثبيت أجزائه التي سقط بعضها بالفعل من قبل أو تلك التي على وشك السقوط.

بدأ الكرسي القديم حديثه بسرد تاريخه أمام الكراسي الحديثة وقال: "أنا أولى سرقات مالكنا، وكرسيه المفضل رغم تهالكي، كنت حاضرا في كل اجتماعات التخطيط، وشاهدت الغنائم التي تنقل للقصر فيما بعد. رأيت العمال وهم يدخلون أثاثا ويخرجون به بعد أن يصير قديما وبقيت هنا"

اقترب أحد الكراسي الحديثة من الكرسي القديم ودار بينهما هذا الحوار:
الكرسي الحديث: "وهل كان فعل مالكنا هذا يناسبك ؟" 
الكرسي القديم: "لا"
الكرسي الحديث: "اذن هل كنت تكره ما يفعل ؟"
الكرسي القديم: "كلا لم أكن أكره أفعاله أيضا، لم تناسبني فلم أحبها ولم تضرني فلم أكرهها"
الكرسي الحديث: "لكنه كان يستخدمك أنت دائما، ألم تشعر بالملل أو التعب ؟"
الكرسي القديم: "في الحقيقة، لقد انكسرت مرة مما تسبب بسقوط المالك وجرحه، ورغم أنه لم يكن جرحا بالغا لكنني تعرضت لدق المسامير وربط الحبال فقررت الاستسلام لقدري والبقاء متماسكا قدر الاماكن"
الكرسي الحديث: "لماذا لم تتحرك ؟ كان بامكانك استخدام عجلك للخروج، فهم لم يجردوك منه كما أرى"
الكرسي القديم: " لكن عجلاتي صدئة، حيث أنني لم أتحرك منذ تمت سرقتي"
هنا أدار الكرسي الحديث ظهره للقديم وهو يبتعد عنه ليستقر في مكانه الذي اختاره له سكان القصر وقال للكرسي القديم: "أنت الذي تركتها تصدأ"

منذ ذلك اليوم أصبح الكرسي الحديث منبوذا، فقد أساء الأدب من وجهة نظر الآخرين وظلوا يتعاملون وكأنه غير موجود حتى جاء اليوم الذي نظروا فيه الى مكانه فوجدوه خاليا، بينما سيقوا الى القبو الواحد تلو الآخر لتخترق المسامير أجزاءهم وتلتف الحبال حولهم ليتحول كل كرسي منهم الى كرسي قديم آخر.