الأحد، 21 ديسمبر 2014

الغرفة

تفتح عينيها لتجد نفسها في غرفة ليس بها أحد سواها، وخالية الا من بعض الأوراق والأقلام وقليل من الطعام والماء. تتجه إلى الباب وتحاول فتحه ولكن لا ينفتح. تتجه إلى أحد الأركان وتجلس. سيفتح أحدهم الباب بعد فترة، هكذا تظن. 
يمضي أسبوع والوضع كما هو، تشعر بالملل الشديد فتتجه الى الورق وتمسك بالقلم وتبدأ في الرسم. ستمضي وقتها في الرسم وحتما سيتذكرها أحد قريبا. 
مضى أسبوع آخر وهي منكبة على الأوراق حتى ملت ولا زال الباب مغلقا كما هو، تعود الى الركن الذي كانت تجلس فيه من قبل، تغلق عينيها وتسند رأسها الى الحائط.
بعد ساعة استيقظت بسبب بعض الأصوات التي سمعتها، ظننت في البداية أنها تحلم، وبعد أن تأكدت أنها ما تسمعه حقيقة ظنت أن الباب قد تم فتحه، ولكن حين أصبحت مستيقظة تماما وجدت الباب كما هو أما الأصوات فكانت تصدر من الركن الذي تركت فيه ما رسمت. ذهبت الى الأوراق الملقاة على الأرض بعشوائية ورفعتها، هذه هي رسوماتها ولكن الحياة دبت فيها. تنظر إلى الشخصيات التي رسمتها فيبادلونها النظرات، تتحدث إليهم فيردون عليها، ستدفع هذه التسلية الجديدة الملل لمدة أسبوع آخر.
إنه الأسبوع الرابع، مضى شهر على وجودها في الغرفة وهي تنتظر أسبوعا تلو الآخر أن يفتح الباب ويسمح لها بالخروج. لم تفقد الأمل بعد، قالت لنفسها "سأنتظر هذه المرة لأسبوعين بدلا من أسبوع وهكذا لن أمل بسرعة". في هذين الأسبوعين غطت جدران الغرفة كلها بالورق، وأخذت ترسم. شجر هنا، ملعب هناك، ممر للمشاة في الوسط، وبحيرة صغيرة بجانبها مقعد في نهاية الممر حتى يستريح من يشعر بالتعب بعد السير. وكانت تدخل كل يوم الى هذه الحديقة المرسومة لتقضي بعض الوقت ثم تعود الى الغرفة وتطلع الى الباب منتظرة أن يفتح في أية لحظة.
أخيرا، في الأسبوع السادس تقرر أن الحديقة أفضل من الغرفة وتدخل وهي لا تنتوي العودة مرة أخرى. بعد عدة أيام وقد وصل الأسبوع الى نهايته تسمع صوت صرير خافت فتلتفت الى الحجرة التي كانت قد أعطتها ظهرها منذ فترة وترى الباب وهو يتحرك. تشعر بالسعادة وتهم بالخروج من الرسمة فتجد أنها لا يمكنها ذلك. تحاول عدة مرات أخرى وهي تنظر الى الباب الذي ترك مفتوحا ولكنها أصبحت حبيسة الحديقة ولا تستطيع الخروج.

الأحد، 19 أكتوبر 2014

كراسي

انطفأ النور في بهو قصر أشهر تاجر أخشاب في المدينة علانية، وأكبر سارقيها سرا معلنا نهاية اليوم بالنسبة لقاطنيه. بعد أن أغلق الجميع أبواب غرفهم، بدأت بعض الحركة في بهو القصر المظلم. في حدث معتاد، التف الأثاث الحديث حول أقدم كرسي موجود في المكان ليستمعوا الى قصصه عن مالكهم. كان الكرسي القديم جميلا متينا فيما مضى، مزين بالنقوش الفرعونية والفسيفساء، أما الآن فقد تشوه من كثرة المسامير والحبال المستخدمة لتثبيت أجزائه التي سقط بعضها بالفعل من قبل أو تلك التي على وشك السقوط.

بدأ الكرسي القديم حديثه بسرد تاريخه أمام الكراسي الحديثة وقال: "أنا أولى سرقات مالكنا، وكرسيه المفضل رغم تهالكي، كنت حاضرا في كل اجتماعات التخطيط، وشاهدت الغنائم التي تنقل للقصر فيما بعد. رأيت العمال وهم يدخلون أثاثا ويخرجون به بعد أن يصير قديما وبقيت هنا"

اقترب أحد الكراسي الحديثة من الكرسي القديم ودار بينهما هذا الحوار:
الكرسي الحديث: "وهل كان فعل مالكنا هذا يناسبك ؟" 
الكرسي القديم: "لا"
الكرسي الحديث: "اذن هل كنت تكره ما يفعل ؟"
الكرسي القديم: "كلا لم أكن أكره أفعاله أيضا، لم تناسبني فلم أحبها ولم تضرني فلم أكرهها"
الكرسي الحديث: "لكنه كان يستخدمك أنت دائما، ألم تشعر بالملل أو التعب ؟"
الكرسي القديم: "في الحقيقة، لقد انكسرت مرة مما تسبب بسقوط المالك وجرحه، ورغم أنه لم يكن جرحا بالغا لكنني تعرضت لدق المسامير وربط الحبال فقررت الاستسلام لقدري والبقاء متماسكا قدر الاماكن"
الكرسي الحديث: "لماذا لم تتحرك ؟ كان بامكانك استخدام عجلك للخروج، فهم لم يجردوك منه كما أرى"
الكرسي القديم: " لكن عجلاتي صدئة، حيث أنني لم أتحرك منذ تمت سرقتي"
هنا أدار الكرسي الحديث ظهره للقديم وهو يبتعد عنه ليستقر في مكانه الذي اختاره له سكان القصر وقال للكرسي القديم: "أنت الذي تركتها تصدأ"

منذ ذلك اليوم أصبح الكرسي الحديث منبوذا، فقد أساء الأدب من وجهة نظر الآخرين وظلوا يتعاملون وكأنه غير موجود حتى جاء اليوم الذي نظروا فيه الى مكانه فوجدوه خاليا، بينما سيقوا الى القبو الواحد تلو الآخر لتخترق المسامير أجزاءهم وتلتف الحبال حولهم ليتحول كل كرسي منهم الى كرسي قديم آخر.

الجمعة، 25 يوليو 2014

عالم موازي

على الأرض يوجد كل ما هو ثقيل على النفس من حزن وكآبة، أما في الأعلى يوجد كل ما هو سحري. 

في الأعلى، فوق سطح منزل جدتي كانت مملكتي السحرية. بمجرد أن أصعد الدرج الفاصل بين الطابق الآخر والسطح أنتقل الى عالمي الموازي. في ذلك العالم كنت لفترة كيميائية عظيمة، نافست كيميائيي العصر القديم والحديث، صنعت قنبلة نووية وترشحت لجائزة نوبل عدة مرات ولكن لا أذكر ان فزت بها أم لا. 

في فترة أخرى كنت مترجمة مشهورة، نقلت آلاف الكتب الى لغات أخرى وساهمت في نشر العلم بين الناس وفي تقريب وجهات النظر بينهم. 

حين اضطررت الى السفر، توجب علي أن أجد طريقة لنقل السحر معي، فلا أسطح أستطيع الصعود اليها هناك، وقتها اكتشفت أن السحر لا يُحمل الا في "القلب الطفل" الذي يجب أن يبقى كذلك حتى لا يفقد هذا الجزء من بهجة الحياة. 

حملت عالمي معي الى فناء منزلنا الجديد، وهناك تحت الشجر كنت من أغنى سيدات الأعمال ومن الأكثر تأثيرا ونفوذا حول العالم. 

لم أكن أدرك أن عالمي سريع التغير وأنه سوف ينقلني من أروقة الشركات الى طاولات الاجتماعات، ومن المناصب الادارية الى المناصب السياسية. بعد الثورة أصبحت في بعدي الخاص من أشهر من عملوا بالسياسة، وألقيت العديد من الخطب الحماسية، وساهمت بانجازاتي المختلفة في جعل العالم مكان أفضل للعيش. 

أقابل الأستاذ الجامعي الذي درَّس والدي عندما كان طالبا، يخبرني أنني يجب أن أضع كلية الاعلام في حسباني، رفض العقل الواعي الأمر في البداية ولكن اللاواعي لم ينتظر. عدت الى سطح منزل جدتي وعاد السحر للعمل، وهناك تسلمت جائزة نوبل للأدب في حفل مهيب وأنا درك في قرارة نفسي ككل المؤلفين والكتاب الكبار أن المتعة ليست في الجائزة التي أتسلمها ولكن في الشعور الذي ينتابك أثناء الكتابة ويشعرك بأنك تطير بين سطور ما تكتب. أخبرت صديقتيَّ بالاقتراح الجديد الذي جاء من عدة أشخاص، شجعتاني وأيدتا الاقتراح، تريان أن الاعلام تخصص يناسبني. 

بدخول الكلية وصلت الى لحظة مربكة تقاطع فيها المتوازيان، ما يحدث من سحر في البعد الآخر لم يعد مجرد خيالات بعيدة لطفلة تستكشف طريقها في الحياة، بل أصبح أقرب الى النبوءة التي تسعى لتحقيقها بقلق يدفعه الأمل المتولد من تحولها لحقيقة -بالنسبة لي- فجر كل يوم، فوق سطح منزل جدتي.

الجمعة، 28 فبراير 2014

أنت عملت ايه؟

هناك هذا المفهوم السائد الذي يعتبر مجرد فعل الانسان لشيء عظيم او ايهامه للآخرين بأنه فعل شيء عظيم يعطيه الحق في "التنطيط" على خلق الله به، وايذائهم، وظلمهم، وأخذ بعض او كل حقوقهم لأنه أفضل منهم وخدم البلد على عكسهم هم الرعاع الذين يعيشون عالة على المجتمع ولا يفعلون شيء طوال حياتهم سوى الشكوى والاعتراض.

فالجيش الذي عبر في 73 من حقه قتل الشباب وسحل الفتيات وحبس الرجال والنساء لأنه صاحب انجاز، رغم أن معظم من شاركوا في 73 قد انتهت خدمتهم ولم يحصلوا فعليا على مكافأة حقيقية والفريق سعد الدين الشاذلي خير مثال ولكن كل هذا الكلام لا يصح فهو -الجيش- "آخر عمود في البيت" !
وهناك مبارك صاحب أول ضربة جوية التي استغرقت 30 دقيقة حكم مصر على اثرها 30 سنة ونهب من خيراتها ما يكفي ابناءه وابناءهم حتى 30 جيل قادم من بعدهم، لكن على الأقل "كنا عارفين نعيش" رغم أننا كنا تحت الصفر بمقدار ما الا أن البعض يعتبرها "عيشة" لسبب او اخر !
ونأتي لمرسي الرئيس المؤمن حافظ القرآن الذي كان يصلي الفجر حاضرا في جماعة ويذهب لصلاة الجمعة في مسجد مختلف كل أسبوع بهذا كانوا يبررون فشله وكأن صلاته وصيامه لنا وليس له !
ومعنا على المسرح سيادة المشير (مش طنطاوي) ومميزاته هي أنه خلصنا من الاخوان الذين كانوا سيؤدون بنا الى الحرب الأهلية التي كان سيقع ضحية لها آلاف الناس (نعم مثلما يحدث الآن) ويكفي أن الأوضاع تتغير، صحيح الى الأسوأ ولكن لا يحق لك أن تفتح فمك ان لم يكن عندك بديل أما ان كان عندك البديل فلا يحق لك أن تفتح فمك أيضا لأنك لم تقدم للبلد ما قدمه السيسي ولن تفعل أبدا (رسول بقى)
وهذا الأمر لا يتعلق بالسياسة فحسب بل ستجده منتشر، ودائما هناك هذا الشخص الذي لن يكون من المسموح لك أن تعترض عليه، وغير مقبول منك أبدا أن تنتقده لأنه "أكبر منك بيوم وأعلم منك بسنة" أو لأنك "معندكش بديل" أو ﻷنه "عمل كذا للبلد، أنت عملت ايه؟"
فحتى يأتي ذلك اليوم الذي يدرك فيه عموم الناس أن:
-لا أحد معصوم كبير كان أو صغير، وأن الحكمة هي الضالة الحقيقية سواء كانت من طفل او شيخ، قالها مؤمن او كافر، محب او كاره، تشابهنا في الايدلوجية او اختلفنا كل ذلك تفاصيل جانبية والمحتوى هو هو ما يهم حقا.
-من حق المواطن الاعتراض على الحكومة في امر ما ودور السلطة ان تحل مشكلته ان وجدت او تبين له خطأ حكمه بوسيلة مبسطة ولكنها علمية في الوقت نفسه ودون حديث عن "الكفتة".
-بديل القذارة، النظافة .. بديل الظلم، العدل .. بديل الفاشية الدينية/العسكرية، الحكم المدني .. بديل الديكتاتورية، الديموقراطية (بكل جوانبها وليس الصندوق او المظاهرات فقط) .. وبديل تدخل الجيش هو عدم تدخل الجيش (نعم، الموضوع بهذه البساطة).
-الكوادر لا تنمو والطاقات لا تتفجر الا في جو من الحريات، لا يمكنك لوم النبات على ذبوله وموته عندما تمنع عنه الماء والهواء والشمس.
-الاحسان مرة لا يبرر أو يمحو الاساءات المتكررة بل العكس هو الصحيح، فكثرة الأخطاء تنسي الاخرين ما أصبت فيه .
-الانسان المجتهد في دراسته أو عمله ولم يخالف القانون (مش عندنا ؟ عديها) هو في الحقيقة يقوم بدوره و"بيعمل حاجة للبلد" حتى وان لم يكن من أصحاب الاختراعات والمؤلفات والشهرة.
الى أن يتم ادراك كل هذا سأظل أفكر في هذا العمل (حقيقي او مفبرك) الذي سوف "أذل بيه" سائر بني آدم، وأبرر به كل أخطائي واخفاقاتي وكلما انتقدني أحدهم نظرت له بكل اشمئزاز، متحدثة من "طراطيف" أنفي قائلة: "أنت عملت ايه للبلد؟"

الخميس، 2 يناير 2014

لماذا لم ولن يسقط النظام

يحكى أن هناك شباب قاموا بثورة طالبوا فيها بـ "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية" واستطاعوا خلع الرئيس. قامت الثورة لأن السلطة ديكتاتورية تقمع المعارضين وتسجن وتقتل من يقول رأي مخالف، ولأن الشعب يموت من الجوع، ولأن ابن الوزير لا يعامل مثل ابن الغفير، ولأن الشرطي بامكانه أن يهينك كما يحلو له لأنه فقط شرطي، وغيرها من مظاهر الفساد التي تنخر في عظام الوطن. كيف تتخيل الوضع بعد ثلاث سنوات من تلك الثورة؟ قمع أشد، ودماء أكثر، واقتصاد منهار، ومن في الأعلى ازدادوا علوا ومن في الأسفل تردت أوضاعهم أكثر، والداخلية ما زالت "بلطجية".

تتسائل لماذا؟

سهلة، لأن أفعالنا وصفاتنا التي لا تمت للثورة بصلة أكثر من أفعالنا وصفاتنا الثورية. استحق خصومنا الهزيمة -فزلزلت عروشهم وسقط بعضهم عنها والبعض الآخر يحارب في سبيل البقاء- لفسادهم، ولم نستحق نحن النصر -فلم نتولى زمام الأمور مكانهم ولم نحقق ما أردناه- لأننا لسنا أفضل كثيرا منهم.

خُلع مبارك ولم يسقط النظام، رَحل المجلس العسكري ولم يسقط النظام، عُزل مرسي ولم يسقط النظام، وقد يسقط السيسي ولن يضمن ذلك سقوط النظام.

النظام الذي نريد اسقاطه ليس أشخاص فحسب؛ النظام الذي نريد اسقاطه هو أفكار فاسدة ليست من الثورة، تبقى رغم رحيل الرؤوس. فليس من الثورة تقسيم البشر الى من يستحق الحياة ومن لا يستحق بناء على لونهم أو دينهم أو وظيفتهم أو "مجموعهم" في الثانوية العامة ! ليس من الثورة أن تسب وتلعن وتخون وتكفر من أمامك لاختلافكما حول طريقين ينتهيان الى نفس النتيجة! ليس من الثورة أن تغضب فقط اذا انتهكت حرية من تتفق معهم وليذهب من سواهم الى الجحيم ! ليس من الثورة أن تسكت عن بؤر الفساد التي تظاهرت ضدها بالأمس طالما أنها تحت سلطتك اليوم ! ليس من الثورة أن تسكت عن الجرائم التي يرتكبها من هم في صفك في حق الثورة وأن تبرر خيانتهم لها ! ليس من الثورة أن تعارض شيئا ثم تقوم بنفس الفعل اذا جلست على الكرسي ! 

نحن المؤمنون بضرورة أن تصل الثورة الى الحكم لا نحكمها في حياتنا وتصرفاتنا وعقولنا، فكيف نطالب من هم ضدها في أن يفعلوا ؟! نحن المؤمنون بالثورة لا نلتزم بمبادئها فكيف نريد تطبيقها على أرض الواقع ؟َ! نحن المؤمنون بالثورة نحاربها فكيف نتعجب من أنها لا تنتصر ؟!

لماذا لم ولن يسقط النظام ؟ 
لأننا بأفعالنا وأفكارنا نمثل النظام، نحن النظام بعنصريتنا، بكذبنا، بطائفيتنا، بسوء أخلاقنا، بسيرنا جانب الحائط وأحيانا داخله اتقاء لشر الظالم بدل من مواجهته، بخضوعنا وتربية الأجيال الجديدة على الخضوع هي أيضا، بظلمنا وعدم وقوفنا ضد الظلم طالما أنه لم يمسنا، وفسادنا أو مشاركتنا في الفساد بقبوله والسكوت عنه أو بتبريرنا له طالما أننا نرى مرتكبوه هم أناس نظنهم في صفنا، وغيرها من قبيح الأمراض التي ترتع في مجتمعنا.

لم يسقط النظام ولن يسقط على أرض الواقع، حتى يسقط من داخل نفوسنا أولا!